ذكاء صبي - من الروائع

قصة ذكاء صبي: حكاية ممتعة من زمن الحجاج بن يوسف
حكاية من زمن الحجاج

ذكاء صبي

حين تقف الحكمة الصغيرة في وجه سطوة الجبار، وتخرج منتصرة بذكائها لا بقوتها

✦ ✦ ✦

🏹 المشهد الأول: لقاء في البرية

يُحكى أن الحجّاج بن يوسف الثقفي، ذلك الاسم الذي كان يرتجف له القريب قبل البعيد، خرج ذات صباح في موكب صيده المهيب، تحيط به الجياد والصقور وضجيج الأتباع. وبينما كانت عيناه تجوبان الأفق بحثًا عن فريسة، وقعتا فجأة على مشهد غريب: تسعة كلاب صيد رابضة في هدوء، وإلى جانبها صبي صغير لا يتجاوز عمره العشر سنين، له ذوائب تتطاير مع الريح، وعينان لا تحملان أي أثر للخوف.

توقف الموكب. ونظر الحجّاج إلى الصبي نظرة من اعتاد أن تُطأطئ له الرؤوس، وقال بصوت يحمل نبرة الاستعلاء:

الحجّاج: "ماذا تفعل هنا أيها الغلام؟"

لم يخفض الصبي رأسه كما توقع الجميع، بل رفع طرفه ببطء نحو الفارس المهيب، وكأنه يرى رجلًا عاديًا لا واليًا يُخشى بطشه، ثم أطلق كلماته كالسهام:

الغلام: "يا حامل الأخبار، لقد نظرت إليّ بعين الاحتقار، وكلمتني بالافتخار، وكلامك كلام جبّار، وعقلك عقل بغال!"

ساد صمت ثقيل. لم يتجرأ أحد من الحاشية أن يتنفس بصوت مسموع، فالكلمة الواحدة من هذا النوع كانت كفيلة برأس طائر. لكن الحجّاج، بدل الغضب، شعر بفضول غريب يتسلل إلى صدره.

فمن يكون هذا الغلام الجريء الذي لا يهاب سطوة الجبابرة؟

⚔️ بين يدي الجبّار

الحجّاج: "أما عرفتني؟"
الغلام: "عرفتك بسواد وجهك، لأنك أتيت بالكلام قبل السلام."

ارتجّت الحاشية من هول الجرأة. صرخ الحجّاج وقد بدأ الغضب يعلو وجهه:

الحجّاج: "ويلك! أنا الحجّاج بن يوسف!"
الغلام: "لا قرّب الله دارك، ولا مزارك، فما أكثر كلامك وأقل إكرامك!"

لم يُكمل الغلام جملته حتى أحاطت به الجيوش من كل جانب، سيوف مصلتة وأعين غاضبة، وأمر الحجّاج بحمله رأسًا إلى قصره، وسط صمت يعرف الجميع أنه لا يبشّر بخير.

وفي القصر... كانت المفاجأة تنتظر الجميع

🏛️ في رحاب القصر

جلس الحجّاج في مجلسه المهيب، والحاشية من حوله مطرقة الرؤوس من هيبته، وهو بينهم كالأسد الرابض. أُحضر الغلام ووُقف بين يديه. لكن الصبي، بدل أن يرتجف كما يفعل الكبار في هذا المكان، رفع رأسه بثقة وأدار نظره في أرجاء القصر، متأملًا سقفه العالي ونقوشه المذهّبة وفسيفساءه البديعة.

الغلام: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبّارين؟"

استوى الحجّاج في جلسته فجأة، وقد أدرك أنه أمام عقل لا يشبه سِنّه. قرر أن يختبره بأسئلة يعجز عن الإجابة عنها كبار الفقهاء.

📜 اختبار العقل الأول: القرآن

الحجّاج: "هل حفظت القرآن؟"
الغلام: "هل القرآن هارب مني حتى أحفظه؟"
الحجّاج: "هل جمعت القرآن؟"
الغلام: "وهل هو متفرق حتى أجمعه؟"

حاول الحجّاج أن يستدرك، فقال في حيرة: "أما فهمت سؤالي؟" فجاءه الرد الذي أخرس كل من في المجلس:

الغلام: "كان ينبغي لك أن تقول: هل قرأت القرآن وفهمت ما فيه؟"
فقرر الحجّاج أن يرفع التحدي إلى أسئلة الحكماء الكبار

🌬️ أسئلة العناصر الأربعة

توالت الأسئلة كسيل لا ينقطع، عن الهواء والخشب والماء والنار، ومن خُلق منها، ومن نجا بها، ومن هلك بسببها. وفي كل مرة، كان الغلام يجيب بثقة من يقرأ من كتاب مفتوح أمامه، لا من ذاكرة صبي في العاشرة من عمره.

🌬️ الهواء

خُلِق منه عيسى عليه السلام، وحُفظ به سليمان بن داود، وهلك به قوم هود.

🌳 الخشب

خُلقت منه الحية التي كانت عصا موسى، وحُفظ به نوح في سفينته، وهلك به زكريا عليه السلام.

💧 الماء

خُلق منه آدم عليه السلام، ونجا به موسى من فرعون، وهلك به فرعون نفسه.

🔥 النار

خُلق منها إبليس، ونجا منها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي فيها.

نظر الحجّاج إلى من حوله، فرأى الدهشة على كل وجه. لم يكن هذا مجرد صبي ذكي، بل كان أمام شيء أعمق من الذكاء العادي.

⚖️ ميزان الصفات الإنسانية

رفع الحجّاج التحدي أكثر، وسأله عن قسمة الله لصفات النفس البشرية: العقل، والإيمان، والحياء، والسخاء، والشجاعة، والكرم، والشهوة. فأجاب الغلام بجرأة من لا يخشى قول ما يعتقده حقًا، ناسبًا كل صفة إلى غالب أهلها في زمانه.

ثم سأله الحجّاج سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه كان الأعمق بين كل الأسئلة:

الحجّاج: "أخبرني، ما أقرب شيء إليك؟"
الغلام: "الآخرة."

ارتجّ المجلس بصمت مختلف هذه المرة، صمت من يقف أمام حكمة لا يملك ردًا عليها. نظر الحجّاج إلى الغلام طويلًا، ثم قال وكأنه يحدّث نفسه:

الحجّاج: "سبحان الله، يؤتي الحكمة من يشاء من عباده. ما رأيت صبيًا أوتي العلم والعقل والذكاء مثل هذا الغلام."
وحين ظن الجميع أن الاختبار انتهى، جاء السؤال الأخير

🎁 المكافأة وذكاء اللحظة الأخيرة

أعجب الحجّاج بأدب الغلام وحكمته حين وُجّه إليه سؤال عن أمور لا يخوض فيها من هو في مثل سنّه، فأجاب برزانة من يعرف قدر نفسه، معتذرًا بلطف عن الخوض في ما لا يليق بصغر سنّه وقلة خبرته بعد. فازداد إعجاب الحجّاج به أكثر، وقال:

الحجّاج: "أحسنت يا غلام وأجملت، وقد غمرتنا ببحر علمك، فوجب علينا إكرامك."

أمر الحجّاج أن يُحمل للغلام ألف دينار، وكسوة فاخرة، وجارية، وسيف، وفرس أصيل. وفي سرّه، كان يحيك اختبارًا أخيرًا لهذا العقل الصغير، فقال لنفسه:

"إن اختار الفرس وحدها، نجا... وإن طمع في كل شيء، كانت تلك نهايته."

التفت الحجّاج إلى الغلام وقال بابتسامة خبيثة:

الحجّاج: "خذ ما تريد يا غلام."

توقف الجميع عن التنفس. كانت هذه اللحظة هي الفخ الحقيقي. فابتسم الغلام، وكأنه يقرأ ما يدور في ذهن الحجّاج قبل أن يُنطق به:

الغلام: "إن كنت تُخيّرني، فإنني أختار الفرس. أما إن كنت ابن حلال، فتعطيني الجميع."

انفجر المجلس ضحكًا وإعجابًا معًا. لم يجد الحجّاج أمام هذا الرد إلا أن يستسلم لذكاء الغلام مرة أخيرة:

الحجّاج: "خذهم جميعًا."

وخرج الغلام من قصر الجبّار سالمًا غانمًا، محمّلًا بالهدايا، تاركًا خلفه مجلسًا لن ينسى يومًا وقف فيه العقل الصغير في وجه أعظم رجال زمانه، وخرج منتصرًا.

✦ العبرة ✦

الحكمة لا ترتبط بعدد السنين، والشجاعة الحقيقية ليست في القوة، بل في الصدق وحضور العقل. فكم من صغير أُوتي من الفهم ما عجز عنه كبار زمانه.